
هناك حقيقة فكرية تتعلق بعقل الإنسان ..
هذه الحقيقة تقول ، وبكل بساطة : إن العقل يحتله الأسبق إليه ..
.. بمعنى أن الفكرة التي تكون لها الأسبقية في الدخول إلى العقل سيكون لها حظ الإقامة شبه الدائمة فيه ..
مالم يزحزحها مزَحزِح !
و ذلك راجع إلى طبيعة العقل الذي يحب أن يتمسك بالأفكار الأولى التي تطرقه ..
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى *** فصادف ( عقلا ) خاليا فتمكنا
إن الكثير من الناس عنده نوع من الوفاء .. لكنه الوفاء الضار بالعقل ..
يكون هذا الوفاء لتلك الأفكار التي كانت لها فضل الأسبقية في الدخول للعقل ، فيظل الإنسان وفيا لهذه الأفكار ، لا يتزحزح عنها ..
بل إنه يحاول أن يحوّر و يطوّع أي حقيقة ثابتة لكي تتناسب مع تلك الأفكار الاولية ..!
يقول الشاعر :
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى *** ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى *** وحنينه أبداً لأول منزل
و بذلك يكون الإنسان أسيرا و مكبلا بتلك الأفكار التي لها صفة الأولية ليس لشيء سوى لأن لها فضل الأسبقية

إذا أدرك الإنسان هذه الحقيقة و استوعبها جيدا .. فإن ذلك سيكون له أثر إجابي على كافة أفكاره و تصوراته .. و بالتالي أحكامه ..
إدراك هذه الحقيقة يعني أن الإنسان بحاجة ماسة إلى مراجعة أفكاره ليتأكد .. هل هي راسخة بسبب القناعة التامة التي صمدت أمام جميع الأسئلة
.. أم أنها تسللت إلى عقله بسبب الأولية في الدخول إليه ؟
إدراك هذه الحقيقة يحتم الإنسان الإعتراف بالجهل .. قبل الانطلاق في أي رحلة فكرية
إدراك هذه الحقيقة يحتم على الإنسان أن يطرق أفكاره دائما بمطرقة التساؤلات ..
و ليس أي تساؤلات ..
و إنما تلك التي تبحث عن أصل الفكرة و سببها و نتائجها .. بأسئلة صريحة واضحة .. قد تقود الإجابة عنها إلى أن يفضح الإنسان عقله
أمام نفسه و يعريه مما علق به من توهمات و أفكار استوطنته بطرق غير مشروعة !!

أضرب مثالا …
كل واحد منا له اتجاه فكري معين ..
قد يكون إسلامي .. وهذا الإسلامي قد يكون سلفي إخواني .. إلخ
أو قد يكون ليبرالي ..
أظن أن الكثيرين من أصحاب هذه التوجهات .. كان تبنيهم لهذا التوجه يعتبر أول تجربة لهم مع عالم الأفكار و التوجهات ..
و الكثير منهم يبقون على هذا التوجه لا يغيرونه .. بل يدافعون عنه .. ويزدادون مع الأيام تمسكا به ..
ولو سألت أكثرهم عن قصة تبنيهم لمثل هذه الأفكار ..
لوجدت أنها تعود لأسباب اجتماعية .. أو صدفه !!
بمعنى أنه من القليل النادر أن نرى من تبنى توجه معين بعد أن وضع كافة التوجهات و الآراء على طاولة البحث ، و أخذ ينظر فيها بصورة محايدة .. ثم في النهاية يتبنى أحد هذه التوجهات بعد أن أعطى البقية حقها من الدراسة و البحث ، و أعطى عقله حق الاختيار ..
هذا الاختلال و الاعتلال .. سببه الاحتلال الفكري الذي يجتاح العقل أولا .. ثم يقيم فيه بصفة دائمة
أتمنى أن يكون هذا الموضوع مفتاحا لنا لمراقبة عقولنا .. و ما فيها من أفكار ..
ولنطرح عليها الأسئلة الصريحة .. و لنجاوب عنها بكل موضوعية ..
مع تمنياتي للجميع بصحة عقلية وافره
تحياتي